fbpx
ثقافة و فنون

هشاشة المنظومة الأخلاقية في ظل غزو فيروس كورونا لكل بلاد المعمور

يتمّ الحكم على المنظومة القيمية لأي مجتمع في وقت الشّدّة ، وليس في وقت الرّخاء ؛ وكأن فيروس كوفيد – 19 جاء ليكشف من جديد عن تدنّي هذه المنظومة في بلدان العالم أجمع ، فبدل ان تكون هذه الجائحة اُختبارا للأنظمة الصحية للدول ، تحوّلت لاُختبار من نوع آخر ، إختبار للأخلاق والسلوكات الإنسانية ، ووضعت مجتمعاتنا أمام تَحدٍّ صعب ، يتطلّب وعيا غير مسبوق .

أنا أقول من حسن حظّنا أنّ الإنتباه إلى هذا الفيروس الشّرس قد تمّ في وقت مبكّر ، وتداركت الدّول خطر انتشاره بكافّة الوسائل ، وخصّصت ميزانيات ثقيلة لمحاربته ، غنيّة كانت أم فقيرة ؛ بينما تتفاقم بيننا أمراض وعلل إجتماعيّة ، تنهش جسد المجتمع منذ سنين طويلة ، في صمت دون تدارك عواقبها الوخيمة ، تفوق شراسة ” فيروس كورونا ” بعشرات الأضعاف ، وتبقى متراكمة تنتظر التشخيص والعلاج .

من المستحيل أن يعجز الأطباء عن إيجاد لقاح لهذا الفيروس ، فقد حاربوا قبله مرض سارس ” المتلازمة التّنفسية الحادّة ” المنتشر مابين 2003 – 2002 .

وفيروس إتش1إن1 سنة 2009 حين فشلت الولايات المتّحدة في اُعتماد تدابير فعّالة ، مما تسبب في اُنتشاره في جميع أنحاء العالم .

ومتلازمة الشرق الأوسط التّنفسية ، التي اُنتشرت بالشرق الأوسط كما يدل عليها إسمها سنة 2012 .

وبغض النظر عن كونه فيروسا مفتعلا او ” بروفة ” صغيرة لحروب بيولوجيّة قادمة – كما هو متداول في بعض وسائل الإعلام وقنوات التواصل الإجتماعي ، فإمكانية الخلاص منه مؤكّدة ، لكن ماليس مؤكّدا هو صحوة الضمائر ، وتوقّف الفساد ، وحبّ الذّات والأنانيّة ، وتسخير الجهود الفرديّة لمساندة الجهود الجمعيّة ، بدل الوقوف وِقفة المتفرّجين المنتقدين تارة ، الساخرين تارة أخرى .

( فما نتعلّمه في خضمّ الكوارث ، هو أنّ لدى البشر من الأشياء ما يستحق الإعجاب ، أكثر ما لديهم ممّا يثير الإشمئزاز ) القولة لأحد أبطال رواية ” الطاعون : لألبير كامو Albert Camus

إذن آن الأوان ان تُوظّف هذه الصّفات الإيجابية ، وتُستغلّ للتّغلب على ظروف عسيرة يمرّ بها العالم أجمع بكل قوّة وإصرار ، بدل العنصرية التي تمّ الإجهاز بها على الصّينيين بعد انفجار بؤرة الفيروس في ” أوهان ” ، وتضييق الخناق عليهم في المدارس والجامعات ووسائل النقل والمطاعم والحانات وفي كل الأماكن العمومية حتى رفعوا جميعا شعار : ” انا لست فيروسًا ” . شيء مُخجِل حقًّا … فزع واُزدراء في كل مكان وموجة من الرّهاب أعادتنا لعهود من النَّزَعَات العنصرية في أمريكا وأوروبا وإفريقيا وحتى بالشرق الأوسط .

وهاهي الصين تتعافى وتعلن اُنحسار المرض ، واُنتصارها عليه رغم عدم اُكتشاف علاج له حتّى الآن ، بل بتدابير جرّيئة لاُحتواء اُنتشاره المتصاعد بشكل صاروخي ، وبمساعدة مواطنيها الواعين بخطورة الوضع .

بينما هبّت شرائح واسعة في بلدان أمريكا التي تَدَّعِي التّحضر لمحاربته بالجشع إذ عمّت حالة من الفوضى والشّجار بين المتبضّعين والسلوكيات غير الرّشيدة ، وجبال من المشتريات بالكاد يتمكن مُبتاعوها من دفع عربات التّسوق ؛ بينما وصل آخرون متأخرين فلم يجدوا سوى رفوف خاوية على عروشها ؛ وفي ألمانيا أيضا هبّ المواطنون للتسوّق بطريقة ” الهامستر ” ونفس المشهد في كل البلدان للأسف الشديد .

واُستغلّت المحالّ العامّة والصيدليات في بلداننا هذه الظروف العصيبة في تاريخ البشريّة الحديث ، لممارسة الإحتكار في المواد التموينية ، والمستلزمات الطّبية المتعلّقة بالتّطهير والتّعقيم خصوصا ، للرفع من أثمنتها لاحقا والتّلاعب بالأسعار وبقوتِ الشّعب ؛ وآخرون إستغلوا الوضع الإقتصادي والإجتماعي والصّحّي المتأزم فضخوا الأسواق بمواد غذائية وغيرها قد تجاوزت فترة تخزينها بتغيير تاريخ صلاحيتها ؛ إنّ هذه الطّينة من البشر أشدّ وبالا من فيروس كورونا ….
ناهيك عن تداول أخبار زائفة وفيديوهات تثير الرّعب بين الناس ، وتمسّ بالنظام والأمن العام ، والترويج لحالات غير صحيحة مشتبه بإصابتها بالفيروس ، والتشهير بها .

ليس هذا فحسب ، بل ظهر من يُفْتِي بوجوب الجهاد فيمن أمروا بإغلاق المساجد وتعليق الصلوات الخمس فيها ، وبعض آخر يدعو إلى تناول أعشاب يمكن ان تكون لها مضاعفات وخيمة على صحة المرضى ، خصوصا من يعانون من أمراض مزمنة كالسكري والقلب والضغط والجهاز التنفسي …
غريب كيف يجد بعض الناس لأنفسهم مبرّرات وقت الأزمات لتغيير الحقائق وإطلاق الإشاعات التي تزيد القلوب خوفا وهلعا ، تزامنا مع توقّف العقل لا إراديًّا عن التّفكير وعدم قدرته على تفسير الأشياء تفسيرا علميّا ومنطقيّا ، ” فالعلم لاينفع الإنسان عند المصائب ” كما قال ” باسكال “

إنّ من أعظم ما تعتزُّ به كلّ الأمم وتمتاز به عن غيرها : الأخلاق …

بغضّ النّظر عن تفوّقها في المجال الصّناعي والإقتصادي ؛ الأخلاق تعكس ثقافة الأمم ، وبقدر ما تعلو الأخلاق تعلو الامم ، فكم من أمة سادت ولو كانت كافرة ، وكم من أخرى ذلّت ولو كانت مسلمة ؛ فالمسألة لا تتعلّق بالأديان والمعتقدات …

فاللّهمّ اُصرف عنّا الوباء بلطفك يالطيف ، إنّك على كل شيء قدير .

weymouth-auto-sales

نهى الخطيب

شاعرة وكاتبة استاذة التعليم الثانوية إجازة قانون ماستر علم إجتماع من مواليد طنجة - اصيلة /المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى