على الوتر الحساس

لبنان البَدَوي! – في (فَزعَة) القبائل السياسيّة البَدَويّة اللبنانيّة

تستبعد الجغرافيا الطبيعيّة لـ (لبنان)، بما هي من تكوين خاص ومميز، أيّة محاولة لوصفها بـ (البادية). حيث لا يستقيم وجود هذا الجبل بقامته وعرشه وتاجه الثلجي وجلالته، ولا ذلك السهل بخصبه، ولا تلك الأنهار الواصلة بحكايتها إلى أسطورة أدونيس، ولا ذلك البحر الذي حملت أمواجه أحرف جبيل الهجائية إلى العالم. لا يستقيم هذا التكوين مع هذا الوصف المُستَجلب من تلك المنطقة الفاصلة ما بين الصحراء القاحلة والسهول الخصيبة.

على أنَّ القوة النابذة لـ (البادية) وفراغها التي تتحصّن بها جغرافيا لبنان، تقابلها القدرة الجاذبة لـ (البداوة) التي تُظهرها بعض القوى والتيارات والشخصيّات السياسيّة والدينيّة، التي بفعل شهوتها المفتوحة دائماً لاستعراض هذه القدرة، تُنتج نفسها كـ (قبائل سياسيّة بَدَويّة)، وإن كانت مَضَاربها / قصورها منصوبةً في خواصر غابات الصنوبر وتحت مرمى جلالة قامات الأرز الذي قصده جلجامش قبل أقلّ من خمسة آلاف عام، قادماً من أرض الرافدين باحثاً في غاباته وأحشائه عن سرّ الخلود؟

لا نستخدم في هذه المقاربة وصف (البداوة) ومشتقاته من خلفيّة ثقافيّة متعاليّة فوقيّة وعنصريّة، بل ننظر إليها كـ (حالة اجتماعيّة) محكومة بشروط وجودها. وبهذا المعنى إنْ كان المجتمع البدوي يحيل إلى ثقافة أوليّة ابتدائيّة، فذلك يعود لأسباب متعلقة بشروط وجوده / حياته البيئيّة والبشريّة. وإذا كانت هذه المقاربة محكومة بمنهجيات علم الاجتماع، فإن هذه المنهجيات تبدو عاجزة وغير صالحة لمعاينة وضع بعض القوى والتيارات السياسيّة اللبنانيّة، التي لم تُوجد محكومة بشروط الحالة البَدَويّة، وإنما هي من عملت وتعمل باستمرار على إنتاج هذه الشروط، والتي بدورها تنتج تلك الثقافة وذلك المُناخ الذي يمكّنها من بسط سيادتها وممارسة هيمنتها على (أتباعها / أعضاء قبيلتها)، كما تتمكّن من رسم علاقاتها بعضها مع بعضها الآخر، وفق نظام قَبَلي / بدوي عام يُوصف تمويهاً أو جهلاً بكونه: نظاماً جمهورياً، يحكم جمهورية لبنان التي على رأسها فخامة رئيس الجمهوريّة!

تشكّل (فَزعَة) القبائل السياسيّة البَدَويّة اللبنانيّة على وزير الخارجية شربل وهبة، أحد التعبيرات الحديثة عن (مكوّن) هذه القبائل وطبيعتها ومحتوى ثقافتها ودرجة حساسيتها تجاه أي (خطر؟) ما يمسّ أو يهدد أحد أركانها، فكيف إن تناول (وصيّها / راعيها)؟

ليس بالضرورة أن يكون هذا (الوصيّ)، وهو هنا السعودي، بدويّاً، في ثقافته كما في انتسابه السلالي وتشكيلاته العائليّة. كلام شربل وهبة هو (تحقير) سياسي، بخروج من لغة السياسة وقاموسها وبروتوكولها، وليس إشهار وضع حضاري أو حالة مدنيّة في وجه حالة بَدَوية محكومة بشروط وجودها. كما لا تعود الـ (فَزعَة) بأسبابها إلى ضرورة نِصرَة مظلومٍ وإغاثة ملهوفٍ وإنقاذ مُشرفٍ على الهلاك – وهي الحالات التي يستنفر فيها المجتمع البَدَوي -، بل تبدو الـ (فَزعَة) بمكوناتها وبتعبيراتها كدفاع عن (هويّة) رمزية تم الاعتداء عليها بتسميتها ووصفها.

في محاولة لتفسير طبيعة هذه (الفَزعَة)، يمكن رؤية السحنة (البَدَوية) واضحة على هيئة هذه القبائل السياسيّة، بكونها تخضع لـنظام من (الثقافة الشفويّة)، والتي هي ميزة رئيسة للمجتمع البَدَوي، حيث المرجعية في النهاية تؤول إلى شيخ القبيلة / رئيس الحزب، أو أمينه العام، فإن كان وجود (الكتاب) دلالة على مرحلة متقدمة للجماعة البشرية التي تُقرّ بمرجعيته كنَصٍ مكتوب، فهذا (الكتاب) عند القبائل السياسيّة البَدَويّة اللبنانيّة، إما غير موجود أو موجود ومُتَجاهل ومُغَيب، أمام الحضور الطاغي للمرجعيّة الشفويّة لشيخ القبيلة الذي بطرف لسانه، ووفق أعراف (مقدّسة)، يمارس سلطته المطلقة.

لا تنفرد قبيلة بعينها بمثل هذه المرجعيّة، بل جميع القبائل السياسيّة البدويّة اللبنانيّة تأخذ بهذا (النظام) مع تنويعات تميز بعضها عن بعضها الآخر على نحوٍ شكلاني. فشيخ أيّة قبيلة هو من يُفتي بـ (الحق)، وهو من يحدد درجة العلاقة مع القبائل الأخرى في الحرب وفي السلم. لا أحد غيره، من أعضاء القبيلة، حتى ولو كان ضحيّة، يمكنه أخذ حقه أو ممارسة عرف (الأخذ بالثأر)، مثلاً، أو اتخاذ قرار العفو عن مجرم دون قرار الشيخ / رئيس الحزب الذي يتفرد بمثل هذه القرارات. عضو القبيلة / الحزب لا قيمة له بذاته، قيمته بانضوائه في إطار القبيلة والخضوع لمرجعيتها.

القبائل السياسيّة البَدَويّة اللبنانيّة تحارب بعضها ولكنها تقوم في الوقت نفسه بحماية بعضها لبعضها الآخر. هي من تُنتج شروط الحرب، ثم تعود إلى حالة السلم الذي تطلق عليه مصطلح (التعايش).

في مثالٍ حديثٍ عن سلوك قبلي، يقرر الرئيس / شيخ (القوات اللبنانيّة)، أنَّ النازح السوري الذي سيمارس حقه بالاشتراك بالانتخابات الرئاسيّة وينتخب الرئيس بشّار الأسد، سيكون عليه مغادرة لبنان. سيتلقف أعضاء القبيلة الأمر،  ويقومون بـ (فَزعَتهم) وسيقطعون الطرقات ويحطمون سيارات النازحين، بمنسوب من الغضب الواصل إلى درجة الحقد الأعمى.

لا يُعاير سلوك الأعضاء والاتباع هنا سياسيّاً ويُقارب بلغة السياسة ومفرداتها. سلوك مثل هذا ليس سوى (فَزعَة بَدَويّة) استجابة لفتوى صادرة من طرف لسان شيخ القبيلة. فتوى لم يتجاوز عدد كلماتها عدد أصابع اليدين!

أخطر ما في النظام البَدَويّ الذي يحكم قوى وتيارات سياسيّة لبنانية، أنّه يتقدم نحو (المناطق السياسيّة الحَضَريّة في لبنان) لإخضاعها، بالمنطق نفسه الذي تتقدم الصحراء فيه نحو المساحات الخصيبة، لتلحقها بها بتحويلها إلى جثث من رمال.

لبنان البَدَوي؟

عبارة مؤلمة وجارحة للبنان الحضاري التاريخي الفائق الجمال والموجود حتماً، لكن بعيداً عن مَضَارب / قصور رؤساء القبائل السياسيّة البَدَويّة اللبنانيّة.

المصدر
سرجيل

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى