ثقافة و فنون

صاحب الربطة الحمراء

قصة قصيرة

في محل للألبسة النسائية والرّجالية … وأنا امارس لذّتي في الشراء … سمعت صوتا دافئا ، إلتفتت فوقعت عيناي على جوهرتين لازورديتين ، ووجه ارتسمت فيه كل ملامح الرجولة والعروبة … سرحت في عينيه وحضرت بنات أفكاري اللّعينة … وماكدت أنطق بأول حرف من قصيدة سرعان ما اُنتظمت في الفكر ، حتى بادرني قائلا :
عفوا سيدتي .. أريد رأيك .. أية ربطة تليق علي الحمراء أم الزرقاء … ؟!

الحمراء .. لون الرومانسية والعواطف والمشاعر الجميلة .. والزرقاء لون الصفاء والهدوء والإسترخاء … إسترسلت في الكلام .. بكل ما أملك من إحساس وشعور … وتوقفت على صوت ضحكة قلبت موازيني … وكأنه قمر انقشعت عنه غيوم أمسية كانت ماطرة … فمحياه والربيع اُنتثر منه الجوري … بعثرتني انامل صوته وزلزلت عواطفي الرّاسية على بركان من ثلج … إني أغرق … إني أغرق … إني أغرق …

وبنفس الأناقة واللّباقة قال : ممتنّ لصباحي ولاُبتسامتك الطّفولية ، سأقتني الحمراء …
حيّاني باحترام وغاب وسط الزبناء … وترك الربطة الزرقاء وحيدة … مثلي أنااااااااا ..!

أووووف .. أوووووف .. أوووووف .. أووف .. بكير طلّ الحبّ عحيّ لنا .. حامل معو عتوب وحكي .. ودمع وهنا …
كنا وكانوا هالبنات مجمعين .. يامي وما بعرف ليش نقاني أنااااااااااا ؟!

وأنا في حيرة من أمري ، أتجوّل بفكري على قارعة نبيذ الخيال ، أحسست بيد تُربِّتُ على كتفي ، إستدرت فوجدت عاملة في المحل تعطيني بطاقة .. وتقول لي عفوا سيدتي … فهذه البطاقة من صاحب الربطة الحمراء … أخذتها … وكم كانت دهشتي كبيرة ، لأنها كانت دعوة على اُفتتاح فيلم سينمائي من إخراجه في المهرجان الدولي لفيلم المرأة بمدينة سلا المغربية …

كنت أنتظر مرور الأيام بفارغ الصبر ، وفي اليوم الموعود ، إستيقظت باكرا على غير عادتي ، كان شعوري جميلا كعاشقة مفتونة بأصداء حبيب ليس له وجود إلّا في أفكارها … !!!

أثار نشاطي وحيويتي حفيظة الكل وخاصة والدتي ، التي كانت ترشقني ببعض الكلمات لتجس نبضي وتفهم سرّ سعادتي في ذلك اليوم …

أرحتها من عناء الفضول وأخبرتها بأنني على موعد مع الحظّ ، إبتسمت في دهاء واكملت فطورها …
بدلت كل جهدي لأظهر في أبهى حلة واجمل إطلالة ، شأني شأن كل أنثى في المناسبات العامة تعشق خطف الأنظار وصواعق لظى العيون …

وقبل اُنطلاق عرض الفيلم بنصف ساعة كنت على باب القاعة المخصّصة للمهرجان ، ولكم كانت دهشتي كبيرة عندما فوجئت بصاحب #الربطة #الحمراء وهو يتوجه نحوي مُرحِّبًا … سلمت عليه في ذهول … فأخذ يدي وقبّلها فشعرت بأنه فارس نبيل من فرسان القرنين السابع والثامن الميلادي ، وانا اميرة من أميرات بريطانيا أو إسبانيا ، إرتجفت يدي في حضن كفّه ، ورشقت عينيه اللاّزورديتين بنظرة تتشاغف خجلا ، وفي لحظة غابت فيها مسافات صمتي ممغنطة بسحر لايوصف ، بادلته التّحية وهنّأته على الفيلم وتمنّيت له النّجاح …

سحرتني أناقته … لقد كان بالفعل جذّابا ومثيرا لدرجة لا تُقاوم ، طلب منّي أن أصحبه هامسا لي في اُبتسامة زادت من إطلاق تواشيح ناي أمنياتي اللّاهيات في سماء الوجد : سينجح إن شاء الله بوجودك وبركة اُبتسامتك البريئة التي تحضن الجلّنار ، إرتجفت واُرتبكت ، فأردف هامسا: جمال عينيك وألوان قفطانك كقطعة موسيقية لموزار بدون عنوان … !!!

وصلنا المدخل حيث مجموعة من الصحفيين والأصدقاء والنّقاد والفنانين وعشاق الفنّ السابع قد تجمهروا ، قدّمني إلى بعضهم على أنني صديقة ، ثم نادى أحد الأشخاص ليعرفني عليه ، وياليته ما فعل …!

إنه هو .. هو .. ذاك الذي كان حبيبي وخطيبي بالأمس البعيد … الذي باعني في أول مزاد … وودّعني عند أول منعرج ، وتركني شبه وردة ذابلة تغالب مخالب العطش والهلاك …

رجعت بي الذاكرة بسرعة البرق لأيّام الجامعة ومابعد التخرج ، والقصة التي عشناها ، إذ أصبح كلّ من يعرفنا يجزم بأننا اُستثناء في عالم الحب ؛ إلى أن صدمني بخبر سفره غير المسبوق للعمل في فرنسا ، فتنقطع أخباره عنّي ، وأعلم فيما بعد بأنّه تزوّج ربّة الشركة التي كان يعمل بها ، الّتي كانت تكبره باثنتي عشرة سنة …

سرحت … ولم أستفق من غفوتي إلا على صوته وهو يقول لصاحب #الربطة #الحمراء وجهها ليس غريبا عليّ أظنّ أنني أعرفها فقد كانت من دفعتي بالجامعة ، إبتسمت اُبتسامة امرأة ماكرة أسقطت جناح الذّاكرة الذي كان يحاول التّحليق بي مجدّدا وأجبته وأنا أنظر باُتّجاه المخرج يخلق من الشبه أربعين ، ولا أظنّ أنّني أعرف أحدا غيرك هنا ، ولي كبير الشّرف ، حرّك كتفيه وعدّل ربطته ، ففهمت بحدس أنثى ، أنه قد انتشى بكلامي وزاد يقيني حينما مدّ لي دراعه لأتأبطها ، قلت له ” avec plaisir monsieur ” بكل فرح سيدي …. ودخلنا القاعة على مرأى من عيون فضولية تتساءل في صمت … من هذه ؟!!!

أما أنا فشعرت ولأول مرة أنني تخلّصت من عقدة حب طالما لاحقتني لعنتها …

وانتقمت لكبريائي المجروح … !!!

نهى الخطيب

Poet and Writer Professor of secondary education A license in law Master of Sociology He was born in Tangier - Assilah / Kingdom of Morocco

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى