fbpx
ثقافة و فنون

تراجيديا الأطفال المُهَجَّرِين

اضطروا لمغادرة ديارهم وغرفهم وأسرّتهم، تركوا الحيّ والجيران والأهل والأصدقاء، حُرِمُوا من مدارسهم وحياتهم الآمنة على بساطتها، واُقْتِيدُوا إلى مخيّمات خارج الوطن؛ وقد شهدوا الحرب وتعرّضوا للتّفجيرات والعنف، ورأوا أحدهم – على الأقلّ – يتعرّض لإطلاق النّار ويُرْدَى قتيلا أمامهم؛ أو يتعرّض للرّكل أو الدّهس أو الصّفع أو السّبّ والقدح أو أذى جسدي بطريقة ما …!

اضطروا إلى الاغتراب والتّهجير القسري خارج الحدود في ظروف وأوضاع يَنْدَى لها جبين الإنسانيّة …

أطفال لا يستطيعون إيجاد تحليل مُقنع لما يدور حولهم، وفهم سليم لأسباب هذا العنف الذي يفقدون من خلاله أملاكهم، وأعمالهم وأفرادا أو جماعات من أسرهم، بل ويفقدون من خلاله أبسط حقوقهم وهو الحقّ في الحياة والاستقرار والكرامة …

أطفال يُقْدِمُونَ على الانتحار نتيجة بؤسهم وأحوالهم النفسية الصعبة، خصوصا أولئك الذين ليسوا بصحبة ذويهم، يعانون من نوبات هلع وخوف وكوابيس واكتئاب، وتزيد معاناتهم من تدنّي الظّروف الصّحّيّة والمعيشية الكارثيّة، ناهيك عن التوترات والخلافات التي تحدث يوميًّا بين اللّاجئين أنفسهم في المخيّمات لتزيد الوضع تأزّما وسوداويّة …

هؤلاء الأطفال الذين عاشوا الحرب والقصف والإصابات، وحتّى التّعذيب، وفقدوا الشّعور بالهويّة والأمل، ولجأوا للعزلة والانطواء المَرَضِيّ على الذّات، وربّما لجأ أكثرهم إلى العدوانيّة والتّحدّي؛ كيف يمكن أن نعيد لهم الإحساس بالسلام والأمن والأمان؟!

كيف نعيد لهم القدرة على التّواصل مع أنفسهم ومع الآخرين، وأن نعيد تأهيلهم لحياة أفضل؟!!

كنت دائما أسمع مقولة ” فاقد الشّيء لا يعطيه ” فتأتي المعارضة شرسة ضدّ صاحب المقولة، وتكثر التّنظيرات والتعليقات والشّعارات، وأنّ فاقد الشّيء هو الأجدر بإعطائه …

  • إذن كيف نطلب من طفل أن يكون واثقا من نفسه، وهو يعيش في دوّامة من الدّمار الذّاتي ؟!
  • كيف ندعوه إلى التّعامل بحبّ وهدوء مع أقرانه وهو يشعر بأن وطنه قد لَفَظَه، وأنّ العالم لا يكترث لوجوده؟!
  • كيف ننتظر منه أن يدرس ويتعلّم ويتخطّى أمّيّته وجهله، وقد تحمّل مبكّرا مسؤولية إعالة أسرته المعدمة المهمّشة حتّى من طرف المنظّمات التي أسمت نفسها ب ” الإنسانيّة ” ؟!

إذا كان الأطفال والمراهقون واليافعون الذين يعيشون مع أسرهم في وطن آمن ومستوى معيشي كريم يعانون من ظواهر سلوكيّة سلبيّة أخلاقيّا واجتماعيّا، فماذا ننتظر من أطفال المخيمات والملاجئ، وقد رأوا في مرحلة من مراحل حياتهم صورا ثَبَتَتْ في أذهانهم إلى الأبد، علْمًا بأن هذه المرحلة – حسب علماء النّفس التربوي – هي الأكثر تأثّرًا بالظّروف المحيطة بها؛ وهي التي تساعدهم على التطوّر المعرفي والبدني والعاطفي والاجتماعي والأخلاقي …

وحدها ” اليونيسيف وبعض شركائها من منظّمات إنقاذ الطفولة بدعم من الإتحاد الأوروبّي لازالوا مهتمين بتقديم الدّعم النّفسي لهؤلاء الأطفال عبر العالم، لمساعدتهم على التّغلّب على حياتهم الصّعبة، بإقامة مخيّمات صيفيّة، وأنشطة ثقافيّة ورياضيّة محفّزة على تنمية مهارات التّكيّف والصّمود؛ إمّا ميدانيّا أو عبر نشر رسائل من خلال مجموعة من القنوات الإعلاميّة والدّينيّة، ومجموعات شبابيّة.

أمّا الدّول الكبرى فهي منشغلة في إعادة رسم خرائطها الجيوستراتيجيّة، والسّباق نحو التّسلّح وبسط غطرستها التّقنيّة والعسكريّة، وبيع الفائض من الأسلحة لدول تستعملها في قتل مدنيّيها وتدمير شعوبها، بينما هذه الشعوب راسخة تحت نير الفقر والتّخلّف والجهل، والجري وراء تأمين لقمة العيش …

 

حروف مهاجرة مع :

نهى الخطيب / المغرب

24\10\2020

 

weymouth-auto-sales

نهى الخطيب

شاعرة وكاتبة استاذة التعليم الثانوية إجازة قانون ماستر علم إجتماع من مواليد طنجة - اصيلة /المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى