على الوتر الحساس

بغداد بين سقوطين (1258 – 2003)

خلاصة استراتيجيّة

في التاسع من نيسان 2003، سقطت بغداد تحت سيطرة القوات الأميركية والانكليزيّة التي كانت من أقل من قرن 1917، قد دخلتها مع تهاوي الامبراطوريّة العثمانيّة وتراجعها نحو الأناضول. بينما يأتي بعد أكثر من ثمانية قرون على حصارها ومن ثم سقوطها الكثيف المعاني، تحت ضربات المغول بقيادة هولاكو الرهيب.

وإذا كان سقوط بغداد في العام 1258، قد حدث بعد سقوط (الدولة الخوارزميّة) التي كانت تشكّل المجال الذي يوفّر الأمان الاستراتيجي لمركز الخلافة العبّاسيّة، إلاَّ أنَّ هذا المركز كان قد بدأ يفقد قوته الذاتيّة وتتحلل (عصبيته)، منذ منتصف القرن العاشر مع دخول (البويهيين) في نسيجه وتغلغلهم في (نواته الصلبة – السلطة)، إلى أن فقد نفوذه وهيبته على أغلب الولايات، وبقيت له تلك القوة الرمزيّة الناتجة من كون بغداد عاصمة الخلافة العبّاسيّة التي قارب عمرها الخمسة قرون. وعلى ذلك قطف هولاكو بغداد كـ (ثمرة يانعة) لم يكن يحتاج قطفها إلاَّ الوصول إليها وضرب جذعها الضعيف وحسب.

في العام 2003، لم يكن حول بغداد / مركز الدولة العراقيّة، أي مجال استراتيجي قادر على توفير عوامل الأمان الدفاعيّة، وإن كان المجال الإيراني شرقاً، كما المجال الشامي غرباً، مغلقاً بوجه القوات الأميركيّة، ولكن أيّ من المجالين لم يكن مساعداً للعراق، الذي وصل إلى حالة من الضعف الشديد، بعد أكثر من عقدين كارثيين بدأهما بحرب طويلة مع إيران، ومن ثم حرب مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي ومن ثم الخضوع لحصار اقتصادي وسياسي محكم، ما يمكن اعتبار العراق بعد كل هذا، (دولة عارية) تماماً بالمعنى الاستراتيجي، وليست، مرة أخرى، سوى (ثمرة يانعة) يكفي الوصول إليها وضرب جذعها وحسب كي تسقط فوراً.

العاشر من شباط 1258، ليس تاريخاً عابراً، وما وقع فيه ليس حادثاً حربيّاً وحسب، يكفي أن نردد عنوانه كي نشعر بفداحته. هو التاريخ الذي شهد نهاية الخلافة العبّاسيّة ووضعُ حدٍ لحياتها. يمكن ملاحقة منشأ العري الاستراتيجي لـ (العراق) الحديث المؤسس وفق اتفاقية سايكس – بيكو 1916، والمُكرس بخريطته السياسية وفق مؤتمر سان – ريمو 1920، والذي كان سقوطه الأخير في العام 2003، لنصل إلى تلك اللحظة الكارثيّة التي دخل فيها هولاكو إلى بغداد ودمرها وأحرق حواضرها، وفي الواقع سلبها حزامها الأمني – الحيوي المتبقي لها، دون أن تتمكن من استعادته أبداً:

أولاً– إنْ كان إسقاط (الدولة الخوارزميّة) قد دمّر المجال الحيوي الدفاعي، وفتح طريق بغداد أمام هولاكو، فإنه منذ ذلك التاريخ، سيصبح الطريق في تلك المنطقة باتجاه واحد، من الشرق إلى الغرب. وستفقد بغداد القدرة على استعادة (مركزيتها) وسط مجال استراتيجي، وصل الهند وأفغانستان ولامس الصين في الحقبة العبّاسيّة الذهبيّة. ستبقى الطرق العابرة لجبال زاغروس والبختياري مفتوحة باتجاه بغداد وبلاد الرافدين وصولاً إلى الشام وفلسطين (تيمورلنك – الصفويّون)، وسينتهي المدى الحيوي، ثم سترتسم الحدود الشرقيّة إلى الداخل من الحدود الطبيعيّة، إلى الوقت الذي سيتم إنتاج الدولة العراقيّة المعاصرة، بعد الحرب العالميّة الأولى، وعاصمتها بغداد.

ثانياً – أدى سقوط بغداد 1258، أو على الأقل قدم مساهمة رئيسيّة في قيام مركزين إقليميين مهمّين، لا زالا إلى اليوم مؤثرين في الجغرافيا السياسيّة الإقليميّة، كما في السياسة العالميّة أيضاً. فبعد قرون سبعة على أسلمة بلاد فارس وانضوائها تحت سلطة الخلافة، أتاح لها سقوط بغداد الفرصة التي سمحت لها بإعادة تكوين شخصيتها المستقلة، التي تبلورت تماماً مع تأسيس الدولة الصفويّة مطلع القرن السادس عشر.

في الجهة الشماليّة، ومع نهاية القرن الثالث عشر، بدأ العثمانيّون بتأسيس دولتهم التي ستتعاظم لتصبح امبراطوريّة مترامية الأطراف استمرت حتى العام 1923، عندما تم وضع حد لحياتها واستيلاد تركيا المعاصرة من جسدها.

 وإذا كانت الدولة الصفوية، بمعنى ما، هي استعادة للشخصيّة الفارسيّة ما قبل الاسلاميّة، ولكن مع استبدال المكّون الديني الذي أمسى الإسلام بنسخة شيعية خاصّة، ما سيمكنها لاحقاً من تكريس مرجعيّة دينيّة مؤثّرة ونافذة، فإن الدولة العثمانيّة وفي سياق تدرجها وضعت حداً للإمبراطوريّة الرومانيّة في آسيا الصغرى حيث أسست مركزها بعد سقوط القسطنطينية 1453، لتقود العالم الإسلامي تحت يافطة الخلافة حتى الربع الأول من القرن العشرين.

في مشهد بعيد، وفي خلال قرنين (1534 – 1733) شكّلت بغداد منطقة صراع دائم ما بين العثمانيين والصفويين، حيث تبادل الطرفان السيطرة عليها أكثر من مرة.

وفي مشهد قريب، وبعد سقوطها في العام 2003، ستدخل بغداد في المجال الاستثماري لكلٍ من إيران وتركيا، في نسخة حديثة ومعدلّة للتنافس الدائم بين هذين المركزين المحيطين بها.

ثالثاً– سيكون ساحل الشام وداخلها من أضنة حتى سيناء، ومن البحر حتى نهر الفرات، خارج الحساب الاستراتيجي الذي يضعها إلى جانب بغداد في مواجهة المغول، وأيضاً إلى جانبها في مواجهة الأميركيين وحلفائهم.

في المرة الأولى (1258)، كان التفكك السياسي يمنع تشكيل أدنى حدٍ من التضامن من جهة، كما أن الانشغال بالحملات الصليبيّة، التي كانت في هزيعها الأخير، يجعل كل تلك الولايات (الأيوبيّون والمماليك) في حالة من الضعف من جهة مقابلة، وبالتالي الغياب عن التأثير في الحدث الكبير الذي يجري قريباً منها. ستكون معركة عين جالوت في فلسطين 1260، اللحظة التي رسمت حدود الاجتياح المغولي، الذي سينكفئ نحو مدن الداخل تدميراً ونهباً وحرقاً.

في المرة الثانية (2003)، سيعود التفكك السياسي والخصومات الواصلة إلى عتبة العداوة التي تحكم علاقات الكيانات السياسيّة السايكسبيكويّة (من سايكس – بيكو)، ليكون نسخة متجددة عن الأصل في القرن الثالث عشر، كما أنَّ (المشروع الصهيوني ودولته: إسرائيل) ستأسر هذه الكيانات بمقتضيات الحفاظ على نفسها إلى جانب مشروع ينجز نفسه بتسارع وتواتر على حساب وجودها.

وفي كلتا المرتين، ستتحول هذه المنطقة إلى مجال تنازع إقليمي – دولي، وسيزداد تفككها وتشظيها وانقساماتها. الآن تحديداً تبدو منصّة الهلال الخصيب مبقعَّة بكائنات سياسيّة دولتية وما دونها، إلى جانب (إسرائيل) المدججة بعناصر القوّة العسكريّة والعلميّة والاقتصادية المتوضعة كلّها على بناء استراتيجي راسخ وإيديولوجيا موحدة.

رابعاً – السقوط، بمعناه الفيزيائي، هو ارتطام كتلة واقفة بالأرض، والسقوط القوي يؤدي إلى تصدّع هذه الكتلة وتناثر مكوناتها، وستبدو عملية جمع الأجزاء وإعادة تركيبها في أمكنتها السابقة التي تشير إلى (وحدة الكتلة)، أمراً شاقاً دونه صعوبات ستزداد مع الوقت.

سقطت بغداد في العام 1258، وتصدعت (الكتلة المجتمعية)، وخصوصاً في غياب بيت الحكمة الذي دمر وأحرق، وغياب المخطوطات والكتب التي حرقت أو أُغرقت في دجلة. التصدع سيقود إلى جدل حول أسباب السقوط، (جدل، وليس حواراً علميّاً أو بحثاً استراتيجياً سيظل غائباً إلى اليوم!!)، وسيتم اتهام الوزير ابن العلقمي بالخيانة لأنه نصح الخليفة المستعصم بالرضوخ لشروط هولاكو. مفتاح التصدّع يكمن في هذه الثنائية المتواجهة: ابن العلقمي شيعي، والخليفة سني. وستعود هذه الثنائية مع سقوط بغداد في التاسع من نيسان 2003، على نحوٍ واسع وبارز.

رغم ذلك، ثمّة من يبقى ليفعل شيئاً لإنقاذ التاريخ. بلى سينقذ نصير الدين الطوسي آلاف المخطوطات من أمام المغول ووحشيتهم، مثلما فعل خالد الأسعد في تدمر بإنقاذه لآلاف القطع الأثرية من أمام داعش، فيما استبيح متحف بغداد مع دخول القوات الأميركية وتم اختطاف واغتيال أوابد أول حضارة على وجه الأرض.

سقطت بغداد 2003، والجنود الأميركيون لا زالوا في العراق. ولكن، من قال إن المغول انسحبوا من بغداد؟

الحديث عن ابن العلقمي الشيعي والمستعصم السني لا زال دائراً ومتجدداً.

ولا زال المغول برفقة الأميركيين هناك.

المصدر
sergil.net

Secretary Nizar Salloum

A Syrian researcher and thinker whose writings are characterized by a depth of meaning, his words strike a nerve, He has a great role in enriching Arab thought with a lot of what he contributed to achieving correct awareness of the concept of the homeland.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى