ثقافة و فنون

أغلقوا دفاتر الماضي

حروف مهاجرة

قبل ان نودّع هذا العام، لابدّ من تَفَقُد صندوق ذاكرتنا بكل ما فيه من تواريخ ووجوه وحقائق ومعلومات وأحداث لترتيبه وتنظيفه، خصوصا إذا كانت بعض محتويات هذا الصندوق تسبِّبُ لنا قلقًا أو وجعًا او عدم راحة … او ما شابه.

فغياب شمس كلّ يوم يعلّمنا كيف ننتظر شروقا أجمل؛ وترقُّبُ فجر وهو يتهيّأ لرحيل لا عودة بعده هو فرصة للتّذكّر والاعتبار والاتعاظ.

أيّام معدودة ويحلّ علينا عام جديد، ونحن في مشارق الأرض ومغاربها بين مقامين: مقام الوداع، ومقام الاستقبال،

نتطلّع بأمل لأهداف وأمنيات عجزنا عن تحقيقها وضاعت معها برامجنا العمليّة وخططنا المنهجيّة في ظلّ ازمة صحية اُقتصادية ونفسية اُجتماعية ، قوّضت جسد العالم ، الغنيّ والفقير على حدّ سواء ، كان سببها وما يزال انتشار فيروس قاتل ، في كل أصقاع المعمور ، قلب الموازين وغيّر المفاهيم ، وجعل حياة اكثر من سبع مليارات من البشر تحت محكّ صعب … أقفلنا قرابة سنة على حجر استثنائي غير مسبوق ؛ قيّد حرّياتنا الفرديّة وشلّ تحرّكاتنا وسبّب لنا في مشاعر معقّدة  … بعدما كانت العلاقات الاجتماعية والرّوحية مهمّة لكلّ منّا …

هذا الفيروس هزم العالم اُقتصاديّا فتراجع معدّل نموّ القطاع الصّناعي والتّجاري والسّياحي والفلاحي على سبيل الذّكر لا الحصر؛ أشخاص بالآلاف يفقدون وظائفهم ومهنهم التي كانت منافذ دخلهم وسبل عيشهم.

هزم الفيروس العالم بشريًّا في شكل الأعداد المتزايدة من الوفيات والمصابين يوميّا، إذ وقفت المنظومة الصّحية لأعتى البلدان أمام شراسته عاجزة مغلوبة؛ وهزم الناس كذلك نفسيّا وعقليّا، ومازالت ازمة امراض نفسية وعقلية جديدة تلوح في الأفق جرّاء شعور ملايين النّاس بالخوف من الموت والفقر والقلق والاضطراب والخدر والأرق والكوابيس …

مع كل هذه الضغوطات النّفسية والعصبيّة، نحن بحاجة لجرعة امل حيث يوجد اليأس، والإقلاع عن التّفكير السّلبي في مستقبل لا يعلم غيبه إلّا الله، فالتّشاؤم يؤثّر على الصّحة العقليّة والنّفسيّة، لأنّه يتطوّر يوما بعد يوم ليصبح تفكيرا كارثيّا …

فلا بدّ من التزام التدابير الصّحّيّة الجسديّة والنّفسيّة والعقليّة حسب الخبراء والمتخصّصين، واُلتزام الهدوء والتّضامن، والابتعاد عن الأشخاص والأفكار والأخبار التي تسيطر على تفكيرنا وتُغيّر مزاجنا؛ لابدّ من التّغلّب على مشاعرنا بالسّوء تُجاه النّاس والعالم …

هناك سبل كثيرة لابدّ ان نلجأ إليها لتغيير نمط حياتنا وتفكيرنا الجديد الذي فرضته علينا ظروف الجائحة، مثل ممارسة التّأمّل، وممارسة الرّياضة، والقراءة، والاستماع إلى الموسيقى، حسب رغبة كلّ واحد منّا وهواياته … المهمّ ان نتجاوز المحنة بأخفّ الأضرار والهزائم.

أحببت فيلم “invictus ” المأخوذ عن كتاب ” جون كارلين ” بعنوان ” ملاعبة العدوّ ” الذي كانت فيه رسائل ” ماديبا ” او ” نيلسون مانديلا ” واضحة للتّغلّب على العجز بالعزيمة ، والتّسامح والمغفرة لمواصلة حياة ناجحة ، وإعطاء الروح دفعات قويّة من الصّمود والمقاومة لتحقيق المستحيل …

احببت ترديده دائما لآخر بيتين من قصيدة الشاعر الإنجليزي  ” إرنست هنلي ” التي علّقها على جدار سجنه طيلة ثلاثين عاما لتعطيه بعض الثّقة والقوّة : ”  أنا سيّد نفسي ، أنا قائد روحي “

فلنكن مثل ” مانديلا وأمثاله ممّن غيروا خارطة العالم بتفاؤلهم وإصرارهم على التّغيير للأفضل ، رغم كل المعيقات ، ولا نسمح لصخرة ” سيزيف المحمّلة بصنوف المعاناة أن تقف في وجه وصولنا لأهدافنا وتحقيق أمنياتنا وإن على المدى البعيد مسلّحين بالصّبر والثّقة في النّفس والإيمان بأحقّيّة الوصول .

 

نهى الخطيب / المغرب

حروف مهاجرة

01\01\2021

نهى الخطيب

شاعرة وكاتبة استاذة التعليم الثانوية إجازة قانون ماستر علم إجتماع من مواليد طنجة - اصيلة /المملكة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى